الأحد، فبراير 10، 2013

الاشتراكية العربية


الاشتراكية العربية

 

حتمية الحل الاشتراكي :

 

واجهت الثورة يوم قامت وضعاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ، شاذاً : واجهت اقتصاداً متخلفاً وتابعاً للاقتصاديات الأجنبية ، واجهت نظاماً إقطاعياً ورأسمالياً استند إلى الظلم والاستغلال ، واتسعت فيه الهوة بين طبقة الإقطاع والرأسمالية وبين طبقة الفلاحين والعمال ، وزاد التناقض الطبقي مع الزمن عمقاً ورهبة نتيجة للتزايد المستمر في السكان ، وما أدى اليه من تفتت الملكيات الزراعية الصغيرة ، ونتيجة لنمو الاحتكارات الصناعية والتجارية والمالية المرتبطة بالاستعمار ، وهو ما مكن للرأسمالية من أن تحقق أرباحها الضخمة على حساب العمال والمستهلكين .

 

وكان من نتيجة هذا الوضع أن تحكمت قلة مستغلة في الشعب كله ، تحكمت قلة من كبار الإقطاعيين في ملايين الفلاحين ، تحكمت في عملهم وفي مقدراتهم وفي حياتهم ، واعتصرتهم لحسابها ، ووقعت المأساة نفسها في القطاع الصناعي على طبقة العمال حيث استبدت الرأسمالية المستغلة بالعمال ، فاستأثرت بكل شيء تاركة العمال الكادحين دون حد الكفاف .

 

وأدى تحالف الإقطاع الظالم والرأسمالية المستغلة ، بمساندة الاستعمار المستبد ، إلى أن كان الحكم أداة تقهر الشعب ، وتقطع الطريق على التطور الاجتماعي .

 

وفي الوقت نفسه كان الاقتصاد القومي تابعاً للاقتصاديات الأجنبية ، فقد كان الرسماليون الأجانب يتحكمون فيه ، وكانت البلاد مزرعة للقطن ، مسخرة لسد احتياجات الاستعمار ، كما كانت سوقاً رائجة تستوعب بضائعه ، وادخل الاستعمار في روعنا أن بلادنا لا يمكن إلا أن تكون زراعية ، وكان أن تضافرت هذه الظروف القاسية ، فحالت دون تقدم الشعب ، فكان من الضروري أن تقوم الثورة لتحرير الوطن ، ولتحرير المواطن ، وتأكد لها أن الحرية الكاملة لا يمكن أن تتم إلا بضمان التحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، كما تأكد لها أن التحرر الاقتصادي والاجتماعي يعد شرطاً أساسياً لضمان التحرر السياسي ، وكان من الضروري حتى نضمن الحرية الكاملة للوطن والمواطن ، أن نعمل على رفع الإنتاج القومي وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية .. أن نضمن لمجتمعنا الكفاية والعدل .

 

وقد تأكد للثورة أن النظام الرأسمالي ، الذي كان قائماً ، كان عاجزاً عن أن يحقق هدفنا في الكفاية والعدل ، فقد كان معنى الاستمرار في الطريق الرأسمالي أن نترك رأس المال الخاص وحده في ميدان التنمية ، وقد ثبتت عدم قدرته نظراً لضآلة الاستثمار الخاص ، ونظراً لعدم درايته باحتياجات التنمية ، كما كان معنى الاستمرار في طريق الرأسمالية أن تتم التنمية في المجال الضيق الذي يسمح به النظام ، لحساب الرأسماليين وعلى حساب الشعب ، فالتنمية الاقتصادية لا يمكن أن تتم إلا بحماية الصناعات الناشئة ، وهو ما يتطلب فرض الرسوم الجمركية العالية وارتفاع الائتمان نتيجة ذلك ، وهو ما يتطلب أيضاً إعفاء هذه الصناعات من الضرائب ، بل ومنحها الإعانات في كثيرة من الأحيان ، إن معنى هذه الإجراءات في وضوح ، أن يدفع المستهلك ليكسب المنتج .. أن يدفع الشعب من قوته لتزداد أرباح الرأسماليين .

 

إن الاستمرار في الطريق الرأسمالي لم يكن يسمح لنا إذن بتحقيق التنمية الاقتصادية في وقت مناسب ، كما أنه يؤدي إلى زيادة التفاوت بين الدخول والثروات ، وهو ما كان يعني بالضرورة أن نقبل استمرار التخلف مدة طويلة ، وأن نقبل توتر الموقف الطبقي وما قد يؤدي إليه من انفجار دموي مروع ، ثم أن النظام الرأسمالي ، حتى في نظر أشد الاقتصاديين تحمساً له ، ليس قادراً على تفادي الأزمات والبطالة .

 

وإذا كانت الرأسمالية قد تمكنت من تنمية بعض البلاد الغربية ، فإن ذلك يرجع إلى الأوضاع التاريخية التي أحاطت بنشأة تلك البلاد ، وهي بلاد شهدت سبق ظهور الثورة الصناعية بها ، وكان لبعضها أسواق داخلية واسعة ومستعمرات غنية استنزفت تلك البلاد ثرواتها ، واستغلتها أبشع استغلال لتنمية نفسها .

 

إن التاريخ يروي ، بل ومازال يردد ، في صفحات تطفح بالألم ، كيف أن تخلف أفريقيا وآسيا كان شرطاً ، ضرورياً لنمو الدول الرأسمالية ، فإذا كانت الرأسمالية قد بلغت ما بلغت من النمو فإن ذلك لم يكن إلا بما استنزفت من دماء الشعوب .

 

إن يد الرأسمالية الاستعمارية مازالت ملوثة بالدم ، تفوح منها رائحة الاستغلال .

 

إن تجربتنا المريرة مع الرأسمالية الاستعمارية والمستغلة كانت أصل المأساة، وما كان ليمكن معها أن تقبل الطريق الرأسمالي سبيلاً إلى الكفاية والعدل .

 

لقد كان علينا أن نبحث عن طريق أخرى ، ينبع مع قيمنا الروحية والدينية والخلقية ، ويستجيب لواقع بيئتنا وظروفنا الاجتماعية ، وينزل على حكم الآمال الملحة للجماهير في ضرورة التخلص من رواسب الماضي ، وما عاش فيه من استغلال وسيطرة وحرمان .

وفرضت الاشتراكية نفسها حلاً حتمياً لجميع مشكلاتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .

 

إن الاشتراكية هي وحدها القادرة على تحقيق مجتمع الكفاية والعدل ، إنها بما تضمنه من سيطرة الشعب على جميع أدوات الإنتاج ، تفتح الفرصة أمامه لاستخدام كل هذه الأدوات ، في سبيل زيادة الدخل ، وعدالة توزيعه في النهاية بين المواطنين .

 

وكانت اشتراكيتنا انعكاساً أميناً لكل تاريخنا بما استقر فيه من مبادئ ، وما تفاعل فيه من قيم دينية وخلقية ، مما جعلها اشتراكية عربية في قيمها ، وفي حلولها .
 
سمات الاشتراكية العربية :
 
لقد انتهى التطبيق الاشتراكي ، في بلادنا ، إلى إقامة اشتراكية عربية متميزة، فهي تؤمن بالله وبرسالاته وبالقيم الدينية والخلقية .
 
وهي تؤمن بالجماعة ، وتقديم مصالحها على كل اعتبار آخر .
 
ولكنها في الوقت نفسه تحترم كرامة الإنسانية وحرية الفرد .  
 
وهي ، إذ تسعى لتحقيق الكفاية ، لا تضحي بالجيل الحاضر في سبيل رفاهية الأجيال القادمة ، وإنما تقيم التوازن بين تضحيات الأجيال المتلاحقة .
 
وهي تؤمن بالملكية الفردية غير المستغلة ، وبحث الإرث الشرعي ، وبالمبادرة الفردية الخلاقة , التي لا تنحرف عن المصلحة العامة .. وهي في هذا تختلف عن الاشتراكية التي  تلغي الملكية الفردية لوسائل الإنتاج إلغاء تاماً .
 
وهي تؤمن بوحدة العشب وسيادته ، فلا تسمح بدكتاتورية أية طبقة أو سيطرتها ، وإنما تعمل على تذويب الفوارق بين الطبقات .
 
وهي تؤمن بحل المتناقضات الطبقة حلاً سلمياً ، فتنكر العنف وسيلة لحل هذه المتناقضات .
 
وهي ، في أسلوب عملها اشتراكية علمية ، تعتمد في تحقيق الكفاية والعدل على الأسس العلمية ، وعلى كل ما وصل اليه العلم الحديث من نتائج .
هذا هو الطريق الاشتراكي الذي سلكناه ، له خصائصه ومميزاته الذاتية .
 
إن الشيوعية ليست إذن هي البديل الوحيد للطريق الرأسمالي .
 
لقد حتمت علينا ظروفنا وقيمنا ومبادئنا سلوك طريق يختلف عن الطريقين الآخرين معاً .